الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
319
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الكلّ ، ومن هذا يظهر ، أن سكوت إبراهيم عليه السّلام في الدعاء من جبرئيل بقوله : أما إليك فلا ، ومن اللَّه تعالى بقوله : علمه بحالي حسبي عن مقالي ، كان من هذا القبيل فإنه عليه السّلام كان حينذاك فانيا عن النفس ، وقد اشتعلت نار المحبة في قلبه الشريف فلم يبق له شيء وكان شراشر وجوده محوا في محبوبه ، واللَّه الهادي . ولعل البداء إنما جعل من اللَّه تعالى والتزم كل نبيّ مبعوث به للدعاء أي لكي يدعو اللَّه تعالى ، ولا يقول : الأمر قد فرغ منه كما علمت والالتزام بالبداء هو عين العبادة بل أفضله كما دلّ عليه ما رواه . في الكافي ( 1 ) ، بإسناد عن زرارة بن أعين عن أحدهما عليه السّلام قال : ما عبد اللَّه بشيء بمثل البداء ، فالالتزام به هو العبادة وموجب للعبادة كما لا يخفى . قال المجلسي قدّس سرّه معنى هذا الحديث : أن الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية ، لصعوبته ومعارضته الوساوس الشيطانية فيه ، ولكونه إقرار بأن له الخلق والأمر ، وهذا كمال التوحيد أو المعنى أنه من أعظم الأسباب والدواعي لعبادة الربّ تعالى . وروي عن الصادق عليه السّلام في مرآة العقول ( 2 ) ، من قوله عليه السّلام : " لو علم الناس ما في القول في البداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه ، الحديث " . وقال ما حاصله : وذلك لأن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول به ، إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلا بد من وقوعه حتما ، لما دعوا اللَّه في شيء من مطالبهم وما تضرعوا إليه ، وما استكانوا لديه ، ولا خافوا منه ولا رجوا إليه ، انتهى ملخصا . وكيف كان ، فالأئمة عليهم السّلام قائمون وقوامون بأمر اللَّه تعالى مما علَّمهم اللَّه تعالى من أمّ الكتاب وكتابي المحو والإثبات .
--> ( 1 ) الكافي ج 2 ص 516 . . ( 2 ) العقول ج 2 ص 132 . .